48 ساعة في الجحيم
·
تقديم:
بسم الله الرحمن الرحيم الجبار القهار ناصر المستضعفين و
مهلك الظالمين ولو بعد حين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد
الصادق الأمين الذي قال، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى،
فيما رواه الطبراني عن سيدنا معاذ بن جبل، رضي الله عنه، " ألا إن رحى
الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيت دار، ألا إن كتاب الله والسلطان سيفترقان فلا
تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضونه لكم إن
أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قيل وما العمل يا رسول الله، قال: كما فعل
أصحاب عيسى ألا إنهم حمٌلوا على الخشب ونشٌروا بالمناشير، ألا والذي نفس محمد بيده لميتة في طاعة الله خير من حياة في
معصيته"، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ربما يظهر من العنوان شيء من المبالغة، وربما يلاحظ
البعض الكثير مما لا يمكن تقبله في بلد يدعي حاكموه حقوق الإنسان والعهد الجديد
وهلم جرا من الشعارات الرنانة الفارغة المعنى والمضمون.
ما سأكتبه هنا لم يحصل في سوريا أو غيرها من الدول التي
تعيش ثورات حقيقية لإسقاط الأنظمة المستبدة الجاثمة على صدر شعوب أيقنت بعد طول انتظار
أن جلادها هو من يحكمها.
إن الحقيقة كل الحقيقة أن ما سأرويه، وأشهد الله على ما
أقول، هو الواقع المر الذي يعيشه أحرار وشرفاء هذا الوطن الجريح، لا لشيء إلا أنهم
طالبوا بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لهم ولأبناء شعبهم لا لشيء كذلك إلا
أنهم أبوا الركوع والخنوع لمن أطلقوا على أنفسهم صفة المقدس.
تبدأ القصة بالاعتصام الذي قامت به الأطر العليا المعطلة
المنضوية تحت لواء التنسيق الميداني المكون من مجموعة طريق النصر وتنسيقية الكفاح وتنسيقية المرسوم الوزاري 2011، وذلك
عشية يوم الخميس 16 فبراير2012 داخل مقر الأمانة العامة للحكومة.
وعليه، واستجابة لطلب مجموعة من أطرنا الأعزاء الذين
طلبوا مني التفصيل فيما حصل، وكذلك من أجل إعطاء كل ذي حق حقه، سأحاول تقسيم أطوار
هذه القصة إلى أربع مراحل رئيسية:
-
اعتصام الأطر العليا داخل مقر الأمانة العامة للحكومة
والتدخل الهمجي في حقهم من طرف القوات القمعية.
-
اقتياد 54 إطار إلى مخفر الشرطة رقم 1 الكائن بحي
الرياض.
- اقتياد 10 إطار إلى مخفر الشرطة رقم 2 الكائن قرب ولاية الرباط زمور- سلا.
- اقتياد 10 إطار إلى مخفر الشرطة رقم 2 الكائن قرب ولاية الرباط زمور- سلا.
-
اقتياد الأطر العشرة إلى المحكمة.
·
اعتصام الأطر داخل مقر الأمانة للحكومة والتدخل الهمجي
في حقهم من قبل القوات القمعية :
لعدم تحمل السلطات المعنية مسؤوليتها تجاه المحضر
التوافقي الذي تم بين كل من الأطر العليا المعطلة المنضوية تحت لواء التنسيق
الميداني والعامل ركراكة ورئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، قامت مجموعة من
الأطر بالاعتصام داخل مقر الأمانة العامة للحكومة – المطبعة الرسمية – بعد ظهيرة
يوم الخميس 16 فبراير 2012، وبعد مرور حوالي نصف ساعة من الاعتصام تفاجئ الأطر
المعتصمة بتطويق غير مسبوق لبناية المطبعة الرسمية من قبل القوات القمعية المدججة
بالهراوات وخراطيم المياه، وكأنها تتأهب لتحرير سبتة ومليلية.
كل هذا جعل الرعب يجد مسلكه لقلوب الأطر المعتصمة، خاصة
بعدما علمت أن كل المنافذ الرئيسة للمقر موصدة في وجهها، وأخص بالذكر هنا الباب
المؤدي إلى سطح البناية الذي اعتبر أثناء الاعتصام الأول المتنفس الوحيد أمامهم،
كما تجدر الإشارة هنا إلى تواطؤ المدير المكلف بالشؤون الإدارية والمالية للمطبعة
الرسمية وبعض الموظفين المحسوبين على المؤسسة مع القوات القمعية، والذين لم تأثر
فيهم استغاثات الأطر وملتمساتهم بفتح
الباب المؤدي إلى سطح البناية، الشيء الذي ترتب عنه الاستسلام للأمر الواقع ألا
وهو الاستعداد لتلقي الهراوات وتهشيم الرؤوس وتكسير الأضلع...، هذا هو الواقع الذي
لم يتخيله أحد أن يكون كما كان.
قبيل التدخل بوقت وجيز وجدت مكتبة صغيرة بالطابق الثاني
للبناية، فقمت بجولة على بعض الإطارات المعتصمة معنا داخل البناية وطلبت منهن
الاختباء داخلها في حالة اقتحام القوات القمعية لمقر المطبعة الرسمية، إلا أننا، وفي وقت وجيز جدا، فوجئنا بباب أحد المكاتب
المجاورة يقتلع من مكانه بمجرد ضربة واحدة من القوات القمعية مما جعلنا لم نحس
بأنفسنا إلا ونحن داخل تلك المكتبة الصغيرة، تلك المكتبة التي كان لها الفضل في
حمايتنا و لو لبضع دقائق معدودات.
بعد حوالي 5 دقائق من الاحتماء داخل تلك المكتبة طلبت
مني إحدى الإطارات، وهي في حالة نفسية يرثى لها، أن نخرج لمساندة باقي الأطر في
محنتهم، وأي محنة؟؟؟، فاستجبنا لها مرغمين، لأن المسألة كانت كالغريق يمد يده إلى
غريق آخر، فإما أن يغرقا معا أو ينجوان معا، وهذا مما كان مستبعدا في حالتنا.
فتحنا باب تلك المكتبة الصغيرة فلم نرى سوى بعض رجال
المطافئ يحاولون إصلاح ما أفسده أشباه الرجال من القوات القمعية، حينها طُلب منا
النزول إلى الطابق الأرضي حيث توجد المطبعة -عفوا المجزرة- الحكومية. وفي طريقنا
للنزول قمت بإطلالة قصيرة من إحدى النوافذ المطلة على المطبعة فرأيت مالا عين رأت
وما لا يخطر على بال في بلد يدعي العهد الجديد وحقوق الإنسان، لقد رأيت مجزرة
حقيقية في حق الأطر العليا، خيرة شباب هذا الوطن الجريح، من قبل العصابة الإجرامية
التي تسمي نفسها بهتانا وزورا قوات حفظ الأمن. لقد رأيت بأم عيني التي سيأكلها
الذود أشباه الرجال من القوات القمعية وهم يدوسون على رؤوس الأطر المعتصمة
وينهالون بالهراوات على أجسادهم النحيفة، التي لم تطالب بشيء أكثر من الكرامة،
بالاضافة إلى الكلام النابي والساقط الذي يستحي كل ابن امرأة حرة أن يسمعه، وما
زادني غيضا هو بعد كل هذا الضرب والتنكيل أنهم كانوا يأمرون الأطر بأن يجثوا على
أقدامهم و يطلبون منهم قول " الله الوطن الملك " و " عاش الملك
"، ليذكرني ذلك بأحد الفيديوهات التي شاهدت فيها شبيحة الأسد وهم يطلبون من
أسراهم أن يقولوا " لا إله إلا بشار ".
لم نلبت إلا قليلا حتى طُلب منا مرة أخرى النزول إلا
الأسفل، آنذاك وحينما بلغنا أسفل الدرج طلب منا الوقوف قليلا ثم فجأة قال لي أحد
أشباه الرجال من القوات القمعية " دخل ندينموك نداخل- أي إلى المجزرة
الحكومية-"، حينها أُمرت بأن أجثو على قدمي كباقي الأطر وبالتالي نلت نصيبي
غير منقوص من الركل والشتم و ...، إلا أنه قبل ذلك بقليل سلب مني أحد أفراد هذه
العصابة نظارتي ورفسها بقدمه دون رحمة أو شفقة أمام مرأى الجميع.
بعد كل هذا مما استطعت أن أصفه، لأن مداد القلم والكلمات
تظل عاجزة عن التفصيل فيما جرى، دخلنا مرحلة أخرى وهي السرقة المكشوفة، فلقد طُلب
من جميع الأطر المعتصمة أن تتخلى عن هاتفها النقال وعن أي آلة تصوير وأي جهاز
إلكتروني...، لكن لفائدة من ؟؟؟، لفائدة من يسمون أنفسهم رجال الأمن، وما هم في
الحقيقة إلا لصوص وقطاع الطرق سيأتي اليوم الذي فيه يُحصدون ولا شك، ومن الكلام
الذي كان يوجه للأطر من أفراد هذه العصابة الإجرامية " لي نسمي دينموه راجل
يخلي التلفون عندوا ". بعد ذلك ظن بعض الأطر أنه يمكن لهم أن يحتفظوا بهاتفهم
النقال، إلا أن الفاجعة كانت حينما بدأ أفراد هذه العصابة الإجرامية بتفتيش الأطر
المعتصمة، آنذاك وجدوا أحد الأطر لازال محتفظا بهاتفه النقال فكان جزاءه أن هشم
رأسه وكسرت أضلاعه، مما دفع كل
الأطر إلى تسليم هاتفهم بدون معاندة، بعدها تم عزل الأطر الذين سيتم اعتقالهم،
فكنت من بين الأطر الأولى التي تم عزلها واقتيادها إلى سيارة الشرطة.
أحد الطرائف التي مررت بها وأنا داخل المجزرة الحكومية
هي أني أظنني من القلائل الذين استطاعوا أن ينجوا بهاتفهم النقال، فعندما رأيت
العين الحمراء تجاه كل من يحمل هاتفا من الأطر المعتصمة، قمت بوضع هاتفي تحت إبطي
معلقا يدي وكأنه كسر من جراء التدخل الهمجي، أنداك لم تطلني أيادي التفتيش، على
الأقل داخل المطبعة الرسمية للحكومة، وبالتالي كان هذا الهاتف هو الوسيلة الوحيدة
للتواصل مع العالم الخارج على وجه العموم ومع باقي أطر التنسيق الميداني على وجه
الخصوص.
·
اقتياد 54 من الأطر إلى مخفر الشرطة رقم 1 الكائن بحي
الرياض :
بعد المجزرة التي طالتنا على أيادي القوات القمعية، وبعد
السطو على ممتلكات الأطر المعتصمة، بدءا بالهواتف النقالة والأجهزة الإلكترونية
مرورا بالنقود ...، داخل مقر الأمانة العامة للحكومة، قامت من تسمى ظلما وزورا
بأجهزة الأمن باقتيادنا إلى سيارة الشرطة وبالتالي إلى مخفر الشرطة رقم 1، ففي
سيارة الشرطة تم تفتيشنا مرة أخرى وأخدت منا بطائقنا الوطنية ومن ثم بدأت سلسلة
الاستنطاقات، بالإضافة إلى الوعيد والتهديد الذي قوبلنا به من طرف بعض المسؤولين
الأمنيين بين ألف قوس وقوس.
وخلال مكوثنا في
سيارة الشرطة كانت تطل علينا بين الفينة والأخرى بعض الوجوه النكرة من العصابة
القمعية لتحمل لنا في قسمات وجهها تارة الضحك و السخرية وتارة أخرى البغض الساطع
الذي يكاد يبطش بالأطر المعتقلة التي لا حول لها ولا قوة، بعدها بحوالي ساعة من
الزمن تم اقتيادنا رفقة باقي الأطر 54 إلى مخفر الشرطة الكائن بحي الرياض.
حوالي الساعة السادسة مساءا كنا قد وصلنا إلى مخفر
الشرطة لتبدأ بعد ذلك سلسلة من الترهيب النفسي والاستنطاقات التي فاقت العشرة
مرات، بالإضافة إلى الصور الفوتوغرافية التي التقطت لنا وكأننا عصابة إجرامية،
وهنا تتحقق المقولة الشهيرة "عجبا منك يا وطني شرفاءك في السجون وجلادوك على
العروش جالسون".
لقد كنا حوالي 51 إطار و 3 إطارات كانت حالة إحداهن حرجة
إلا أنه تم منعها من الذهاب للمستشفى لتلقي العلاجات الضرورية. بالإضافة إلى أن
المكان الذي كنا فيه داخل المخفر صغير للغاية لا يكاد يكفي لعشرة أطر فما بالك ب
54 إطار، حقيقة كنا هناك كقطيع من الغنم البعض ملتسق بالبعض والبعض جالس على
البعض، كما أنه، ولحسن الحظ كان هناك مرحاض صغير وسط ذاك المكان كنا نستعمله
لإجراء الاتصال مع العالم الخارجي للتبليغ عن حالنا، مصيرنا ومكاننا، وذلك دون أن
يحس بنا أحد من أشباه الرجال.
من الأسئلة لتي كانت تطرح علينا : "سميتك سميت باك
سميت موك؟؟؟، من أي مدينة جئت؟، وأين تقطن؟ ومع من؟، ومنذ متى وأنت في الرباط؟،
وهل لك انتماء سياسي؟،...
أمر آخر أود أن أذكره هنا، ألا وهو الأخلاق العالية لمن
يسمون برجال الأمن، فقد كان من بين الذين يستنطقوننا داخل مخفر الشرطة مخمور تفح
من فمه رائحة الخمر النتنة، وخلال استنطاقه لإحدى الإطارات قال لها بالحرف "
جيتيني مزوج "، هؤلاء هم من وجب عليهم حمايتنا لا تهديدنا بالاغتصاب والسرقة
و...
وحتى لا أنس كذلك، بينما نحن داخل مخفر الشرطة إذ تم
اقتيادنا إلى أحد مكاتب المخابرات، فتم تصويرنا ونحمل نحمل ورقة كتب عليها بخط
كبير اسمنا ورقمنا الوطني، كما أن مجموعة من الإطارات قيل لهم بالحرف من طرف بعض
المحسوبين على المخابرات" هاذو غدي
نديو دينمهم للحبس وأنت اخدم معانا وجيبنا المعلومات والوظيفة ذيالك
مضمونة".
وحوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تم النداء على 10
أطر، كنت واحدا منهم، ليتم اقتيادهم لمكان مجهول لم نتعرف عليه إلا حين أمضينا ما
تبقى من 48 ساعة فيه.
·
اقتياد 10 من الأطر إلى مخفر الشرطة رقم 2 الموجود قرب
ولاية الرباط سلا-زمور :
وصلنا إلى مخفر الشرطة الموجود قرب ولاية الرباط على
الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وفي طريقنا إلى هناك، لم نكن ندري ما
مصيرنا وإلى أين يتم اقتيادنا، وبعد أن تم إدخالنا إلى المخفر انطلقت سلسلة من الاستنطاقات
مرة أخرى، تم بعد ذلك ثم اقتيادنا نحو طابق سفلي يوجد تحت الأرض، فإذا بنا نرى ما
لم نكن نتخيله، مكان كبير شيئا ما يوجد به ثلاث زنازن كبيرة جميعا تطل على بعضها
البعض، زنزانتان للذكور والأخرى للإناث، وهناك بالجوار باب حديدي لم نكن ندري ماذا
يوجد خلفه، إلا أننا كنا نسمع منه الصراخ والعويل طيلة الأيام التي أمضيناها هناك،
بالإضافة إلى مكتب خاص بالحراس تجمع فيه جميع أغراض المعتقلين.
حينما وجدنا أنفسنا في ذاك المكان أصابنا نوع من الذهول،
أطر عليا أمضت زهرة شبابها في طلب العلم يزج بها داخل القضبان لا لشيء إلا أنها
تطالب بحقها العادل والمشروع في الشغل وخدمة هذا الوطن الجريح.
وبعد أخذ
المعلومات الضرورية منا تم تفتيشنا من جديد، و هذه المرة قمت بإخفاء الهاتف الخاص
بي تحت قدمي متظاهرا بأن قدمي تعاني من الكسر، لتكون هذه المرة الثانية التي
أستطيع فيها أن أنجو بالهاتف الذي كان الوسيلة الوحيدة لإطلاع العالم الخارجي عن
مكاننا ومصيرنا.
بعد كل هذا
تم إغلاق تلك الزنازن علينا، لنجد أنفسنا جنبا إلى جنب مع عصابات إجرامية ولصوص
وشماكرية...، لكن ما العمل فنحن نؤمن أن هؤلاء هم أيضا ضحايا لهذا النظام القمعي
الذي استشرى فيه الفساد من رأسه إلى خمس أقدامه. حاولنا بداية الأمر أن نؤقلم
أنفسنا مع الوضع، إلا أن برودة المكان كان فوق ما نستطيع تحمله. أُعطيت لنا نحن التسعة
أربع غطاءات أرق مما يمكن تخيله، ويا ليتها كانت من القطن، إضافة إلى كونها تفح
منها راحة البول والنجاسة...، بعد ذلك ألم بي البرد الشديد فكنت أحس وكأن عظامي تفرس
افتراسا، لم أتمالك نفسي فصرخت بأعلى صوتي أين هي حقوق الإنسان وأين هو العهد
الجديد و أين هو التغير الديموقراطي...، فأجابني أحد الحراس قائلا "إن كُتب
لك الخروج من هنا أكتب ما شئت"، فعلمت حينه أنه قد أسمعت لو ناديت حيا لكن لا
حياة لمن تنادي.
داخل ذلك المكان النتن، الذي يفرض عليك أن تعيش
فيه كالحيوان، قمنا بإجراء اتصال هاتفي مع باقي الأطر ففوجئنا بإطلاق سراح كل
المعتقلين، ليزيد هذا الخبر الطين بله، ليس لكوننا نريد أن يفعل بالجميع كما فعل
بنا، ، بل لأن الأمر كان غير ذلك، فقد كان بيننا مجموعة من الأطر من ليس لهم ذنب
إلا أنهم وجدوا أنفسهم مع الأطر المعتصمة داخل مقر الأمانة العامة للحكومة، فكنا
نحاول تلطيف الأجواء والتبشير بأنه سيتم إطلاق سراحنا خلال الآجال القريبة، كما
أننا كنا نعقد جلسات نضحك فيها على ذاك الواقع المر بغية أن نخفف عن أنفسنا، كما
كنا نبغي بذلك إدخال بعض السرور على رفيقتنا العزيزة هاجر البصير، التي أعلي لها
من هنا شارة النصر والتحية العالية على صمودها وثباتها رغم التهديد والوعيد
والكلام النابي الساقط الذي يفوح من الأفواه الكريهة لمن يسمون أنفسهم كذبا برجال
الشرطة.
خلال المدة التي قضيناها في الاعتقال منع عنا
الأكل والشرب لمدة 24 ساعة رغم استغاثتنا لأولئك الحراس، لكن دون جدوى، لأنه، وكما
يقال، لا يوجد في القنافذ أملس، وفي اليوم الثاني من الاعتقال تم استنطاقنا مرة
أخرى، حينها قلت لأحد المستنطقِين:لقد تم استنطاقنا أكثر من 10 مرات، فأجابني
ضاحكا إذا أتممتم العشرين ستفوزون بالجائزة ؟؟؟".
في اليوم
الموالي وعلى الساعة الحادية عشر صباحا تم اقتيادنا إلى المحكمة لنعرض على وكيل
الملك بين قوسين، آنذاك تم وضع الأغلال في أيدينا وسُقْنا إلى سيارة الشرطة مرة
أخرى وكأننا أخطر المجرمين في هذا البلد.
·
اقتياد الأطر العشرة نحو المحكمة:
ونحن في طريقنا إلى
المحكمة، رافقنا أحد رجال الشرطة الذي حاول أن يبدي لنا حسن نيته ويطلب منا
المسامحة إن تبادر منه أو من أحد زملائه شيء في حقنا، بعد ذلك راح يحدثنا عن مكارم
الأخلاق وعن الإيمان وعن القرآن...، حتى تبادر إلى ذهني شيء مضحك، حيث تذكرت
أولائك الذين يتم إعدامهم في بلداننا العربية والإسلامية كيف يأتون لهم بأحد
الفقهاء ليعلمهم لا إله إلا الله قبل إعدامهم، فقلت في نفسي كلاما قاله السيد قطب
رحمه الله لحظة إعدامه حينما قال له أحد معدميه قل لا إله إلا الله فأجابه قائلا
"يا أخي أنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله ونحن نعدم لأجل لا إله إلا
الله".
لحظة وصولنا إلى المحكمة استقبلنا بعض رجال المخابرات
مرة أخرى بالتصوير ونحن مكبلين بالأغلال و خلال ولوجنا إلى المحكمة، كانت الممرات
التي مررنا بها داخل المحكمة كلها مطوقة برجال الأمن، لم ندري لما كل ذلك، ليتم
بعد ذلك عرضنا على وكيل الملك، بين ألف قوس و قوس.
عندما دخلنا على من يسمى بوكيل الملك، وجدنا مجموعة من
المحاميين الذين نعلن لهم عن امتناننا وشكرنا العميق، فلولاهم، بعد الله تعالى،
لما كنا لنشم نسيم الحرية، آنذاك قرأ علينا المحضر الذي كتب في آخره أننا امتنعنا
عن التوقيع، رغم أنه لم تجرى معنا أي محاضر فكل الاستنطاقات كانت على شكل
"سميتك، سميت باك، سميت موك، شكادير هنا، من امتى وانتا هنا، ومنين جيتي،
وفين ساكن دبا،...".هذا المحضر الذي يحمل في طياته تهما بعدد رمال الصحراء،
تهم أقل ما يمكن أن يترتب عنها حوالي 10 سنوات من السجن، أما فيما يخص المحتجزات
فكان الأمر أعجب، فلقد كتب في المحضر أنه وجد في حوزتنا مجموعة من السكاكين
والآلات الحادة بالإضافة إلى بعض الصرف الحديدية الذي تستعمل في الميزان إلى غير
ذلك من الأشياء التي لا يمكن أن تجدها إلا عند قطاع الطرق والعصابات الإجرامية
وليس عند أشرف شرفاء هذا البلد.
بعد كتابة مشروع محضر توافقي بين كل من المحاميين والأطر
العليا ووكيل الملك، دائما بين قوسين، طلب منا الانتظار إلى حين صدور قرار الحكم،
حينها تم اقتيادنا إلى أحد الحجرات المجاورة التي عشنا فيها لحظة من الرعب النفسي،
الذي كنا نحاول كتمه عن بعضنا البعض، فكنا نحاول أن ندخل البهجة والسرور إلى
أنفسنا محاولون الهروب من الواقع، بعدها حصلت لنا بعض الطرائف، وذلك حينما دخل
علينا أحد المحاميين فأعطى لمناضلتنا هاجر ورقة كتب عليها اسم أحد السجانات وقال
لها حينما تصلون إلى السجن اسألي عن هذا السيدة فربما تساعدك إن احتجت شيئا ما،
لتحس بعد ذلك مناضلتنا العزيزة وكأن الأرض تدور من تحت أقدامها، إلا أنه، والحمد
لله، لم تدم الكآبة طويلا حتى تم استدعائنا مرة أخرى من طرف وكيل الملك ليقول لنا
بالحرف " أنتم أطر 2011 الذين يشملهم المرسوم الوزاري"، ثم بعد ذلك طلب
منا أسماءنا وتخصصاتنا، ليسمعنا بعد ذلك الخبر المفرح ألا وهو تبرئتنا من جميع
التهم المنسوبة إلينا ظلما وزورا، وبالتالي يسدل الستار على هذه المأساة الرهيبة.
حين خروجنا من المحكمة ثم من مخفر الشرطة رقم 2، الذي
أمضينا فيه أسوأ الأيام من عمرنا، رأيت أحد الأطر العشرة المعتقلة وفي وجهه فرحة
غير عادية، سألته عن السبب، فأجابني قائلا "الحمد لله أننا لم نفقد عذريتنا".
في الأخير أود أن أشكر كل من ساندنا في محنتنا هذه من قريب أو بعيد وأخص بالذكر جميع الأطر العليا المنضوية تحت لواء التنسيق الميداني، كما أود أن أشكر الإطارين العزيزين على قلوبنا الكاتب العام لمجموعة طريق النصر الحسين الذي لم يتوانى في فعل المستحيل من أجلنا، وكذلك مسؤول لجنة الضبط بالمجموعة نفسها الإطار أنور محمد الذي لا تسعني الكلمات في شكره.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت
على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد كما باركت على
سيدنا إبراهيم وعلى سيدنا إبراهيم في العامين إنك حميد مجيد والحمد لله رب
العالمين.
يونس المغوشي
أحد المعتقلين العشرة الذين كان لهم الحظ الوافر من 48 ساعة في الجحيم

0 التعليقات:
إرسال تعليق