الخميس، 8 ديسمبر 2011

مدير عام منظمة العفو الدولية: إقصاء مغاربة الخارج من الانتخابات يلقي بظلال الشك على عملية التغيير الديمقراطي


في حوار مع أندلس برس وعقب فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالانتخابات التشريعية في المغرب، يشدد الأستاذ محمد السكتاوي، مدير عام منظمة العفو الدولية – فرع المغرب، على ضرورة قيام الحكومة المغربية المقبلة بالعمل على تعزيز استقلال القضاء وإطلاق حرية التعبير والتجمع والاشتراك في الجمعيات والاحتجاج السلمي، معتبرا أنه بدون ذلك  لا يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي قادر على التحرر من الخوف والفاقة والاستبداد.

كما عبر السكتاوي عن قلقه من إقصاء 5 مليون مغربي يقطنون خارج الوطن من المشاركة في الانتخابات التشريعية ل25 نونبر الماضي، مؤكدا أن الديمقراطية الحقة هي توفير فرص متكافئة لجمع المواطنين وقواعد عادلة للمشاركة في الحلبة السياسية. "من هنا يضيف، نعتبر أن أي إجراء يخالف هذه المقاربة هو إجراء مخالف للدستور وبالتالي باطل ولا مشروعية له، ويلقي بظلال الشك على عملية التغيير الديمقراطي".

استجواب مع الأستاذ محمد السكتاوي– مدير عام منظمة العفو الدولية – فرع المغرب
    1-       كيف تنظرون إلى الاستحقاقات الحقوقية والمغرب خارج من انتخابات تشريعية الأولى في ظل دستور جديد؟
لا بد من الإشارة بداية إلى أن منظمة العفو الدولية –فرع المغرب  سبقت أن أثارت جملة من الاستحقاقات الحقوقية بالنسبة للمغرب وذلك بمناسبة  الندوة الصحفية لتقديم التقرير السنوي 2011 ، حيث قدم الفرع المغربي لمنظمة العفو الدولية "خارطة طريق من أجل حقوق الإنسان" يتضمن توصيات رئيسية للمنظمة حول حقوق الإنسان في المغرب.
واليوم، بمناسبة الانتخابات التشريعية 2011، يقوم الفرع بعملية جرد لمتابعة توصياته في السنوات الأخيرة ويسائل المسؤولين حول بعض من انشغالاته وبواعث قلقه، والهدف هو حث الأحزاب السياسية أن يكون لها جدول أعمال حقوقي من أجل التغيير.
لقد تم تحقيق العديد من المكاسب والتقدم في مجال حقوق الإنسان في العقد الأخير، ولكن ظل مستقبل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة التي تعد أهم إنجازات السنوات الأخيرة مطلقا، وأدى الشعور المتزايد بخيبة الأمل والانتقاد لتقاعس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عن إنجاز مهامه المتعلقة بتنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، أدى إلى دفع المسؤولين في نهاية المطاف، إلى الشروع في بعض الإصلاحات المهمة، كان أبرزها دستور جديد. كما قرر المسؤولون التخلص من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي ساءت سمعته وإحلال مجلس وطني لحقوق الإنسان محله.

إن منظمة العفو الدولية ترحب بهذه التغييرات المستحدثة في مؤسسات حقوق الإنسان خاصة على مستوى الإصلاح الدستوري الذي يضع إطارا متقدما لحقوق الإنسان. وترى المنظمة أنه من الأمور المستعجلة لتعزيز هذه الإصلاحات هو تحويل الوعود السابقة بالمصادقة على العديد من الاتفاقيات الدولي إلى واقع ومنها على سبيل المثال: البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، البروتوكول الاختياري بشأن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، البروتوكول الاختياري بشأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، البروتوكول الاختياري بشأن " اتفاقية التعذيب"، الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

على الدولة المغربية أن تقوم بملائمة قوانينها مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان

2-    هل ترون أن المصادقة على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان هي الحل الأنسب للمشاكل الحقوقية في المغرب، والتي تعتبرها العديد من الهيآت الدولية كمجلس حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة واللجنة الأممية لمتابعة مناهضة التعذيب أنها مازالت مطبوعة بكثير من الانتهاكات؟
 
نعم، إن المصادقة على الاتفاقيات لا يشكل إلا خطوة أولى بغض النظر عن كونها أساسية. إنه يتعين على الدولة أن تقوم بملاءمة داخلية لقوانينها وتخصيص موارد كافية لوضع كل الاتفاقيات رهن التنفيذ.
إن وضع ميكانيزمات وطنية للمراقبة واحترام توصيات الهياكل الدولية المنشأة من قبل الاتفاقيات هو أمر في غاية الأهمية لتقييم مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان.

في المغرب، ومنذ 2007 تعاقبت توصيات الهياكل الدولية وقد تم نسيانها بسرعة. فمراقبة المغرب من قبل لجنة حقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب ، في الفترة 2007 و2009 قد تطلب تعبئة هامة للمسؤولين من أجل تقديم تقاريرهم لهذه اللجان. لكن السلطات المغربية لم تنشئ آليات للمتابعة والتأكد من تنفيذ توصيات الهياكل الدولية. وهذا أمر يؤثر سلبا على مثل هذه الآليات.

3-     هل يعني هذا أن تقييمكم لمسار حقوق الإنسان في المغرب تقييما سلبيا ؟

ليس تماما، فخلال العشر سنوات الأخيرة، بزغت إلى النور العديد من آليات المراقبة الداخلية وحماية حقوق الإنسان، من أبرزها هيأة الإنصاف والمصالحة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط والهيأة الوطنية لمحاربة الرشوة. كما جاء الدستور الجديد لدسترة العديد من الحقوق من بينها الحق في الحياة. كما إن الإمكانية التي أتاحها الدستور الجديد لكل مواطن حق اللجوء إلى المحكمة الدستورية والطعن في دستورية قانون يمس بالحقوق والحريات تشكل انفتاحا في غضون السنوات القادمة.

إلا أننا نعتقد في الفرع المغربي أن أوضاع حقوق الإنسان في المغرب، ما انكفت تستدعي الاهتمام التام، وإيلاء الأولوية، في أي برنامج حكومي، خاصة بالنسبة للمواضيع المتعلقة بحقوق الإنسان والأمن حيث تستمر الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان تحت ذريعة المحافظة على الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، كما لازالت كثير من الحقوق المعترف بها دوليا تنتهك مثل الحق في الحياة والحق في نيل محاكمة عادلة ، وفي حرية التعبير والتجمع والاحتجاج السلمي، ومن دواعي القلق العميق لدى منظمة العفو الدولية  على وجه الخصوص تقاعس الحكومات المتعاقبة عن إجراء تحقيقات وافية ومستقلة بشأن الادعاءات الجدية عن انتهاكات حقوق الإنسان، وكذلك التقاعس عن إعلان نتائج التحقيقات الداخلية وإحالة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى ساحة العادلة.

ولذلك، نعتقد أنه آن الأوان ن لتطهير ما ينطوي عليه خطابنا السياسي المنمق من زيف، وإخضاع الأحزاب ومراقبة ما إذا كان للحكومة جدول أعما حقوقي للتغيير وتحقيق العدالة والكرامة لجميع الناس. ولعل الانتخابات التشريعية الراهنة مناسبة لهذه المحاسبة والمساءلة.
إضافة إلى هذا، فإن من القضايا المقلقة في المغرب هو وضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
في عام 2000، تبنت الأمم المتحدة ثمانية أهداف إنمائية للألفية منها تعميم التعليم الأساسي، والحد من وفيات الأمهات، والقضاء على الفقر وذلك في غضون 2015. نحن الآن على مشارف 2015 وهذه الأهداف ما زالت بعيدة عن أن تتحقق في المغرب. لقد تم تحقيق بعض الإنجازات ولكنها متواضعة وغير كافية. إننا نرى أن احترام حقوق الإنسان وإشاعة قيمها والالتزام بمبادئها مسألة ضرورية لتحقيق الأهداف الإنمائية التي تم تحديدها عام 2000.

ويرتبط بهذا إصلاح النظام القضائي في المغرب بتعزيز استقلاله وتقليص تدخل السلطة التنفيذية في شروط التوظيف الخاصة بالجسم القضائي. وفي نفس السياق لا بد من إطلاق حرية التعبير والتجمع والاشتراك في الجمعيات والاحتجاج السلمي، فبدون ذلك  لايمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي قادر على التحرر من الخوف والفاقة والاستبداد.

ضرورة تعزيز استقلال القضاء وإطلاق حرية التعبير والتجمع والاشتراك في الجمعيات والاحتجاج السلمي

    4- منذ خمسة عشرة سنة وأمنستي متواجدة بالمغرب، ما هي القيمة المضافة التي قدمتموها للساحة الحقوقية بالمغرب؟ ما هو تقييمكم لحصيلة تجربة العدالة الانتقالية التي تمثلت في إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة، وفتح ملفات انتهاكات حقوق الإنسان؟

منظمة العفو الدولية حركة عالمية للمدافعين عن حقوق الإنسان، تضم ما يربو على 3 ملايين من الأعضاء والمناصرين في أكثر من 150 بلد ومنطقة، وقد تمكنت سنة 1994 من بناء هياكل لها في المغرب. وذلك بعد نضال دؤوب من أجل إعلاء راية حقوق الإنسان في بلادنا. وإذا كان من قيمة مضافة قدمتها المنظمة للساحة الحقوقية في المغرب، هو ذلك البعد الدولي للنضال والتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان في العالم. فحقوق الإنسان قضية كونية تقتضي نضالا يشارك فيه الجميع، ولذلك فإن منظمة العفو الدولية تمتلك قوة تأثير حاسمة في تغيير أوضاع حقوق الإنسان باعتبارها مجتمعا عالميا لحقوق الإنسان ينتمي أعضاؤها رجالا ونساء وأطفالا إلى مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية، وتتفاوت معتقداتهم السياسية والدينية تفاوتا كبيرا، ولكنهم متحدون في تصميمهم على العمل من أجل عالم يتمتع فيه كل فرد بحقوقه الإنسانية.

إلى هذا فإن منظمة العفو الدولية تتميز بكونها منظمة مستقلة عن كل الحكومات والأنظمة والمصالح الاقتصادية والعقائد الدينية، فهي لا تعنى إلا بحماية حقوق الإنسانية بشكل نزيه ومتجرد وهذه قيمة مضافة أخرى تعزز بها منظمة العفو الدولية ديناميكية الحقل الحقوقي المغربي الذي كثيرا ما تخترقه التيارات السياسية.

أما بخصوص تقييمنا لحصيلة تجربة العدالة الانتقالية في المغرب التي تمثلت في إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة والنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت بين عامي 1956و1999، فقد اعتبرناها هيأة رائدة لم يسبق لها مثيل في المغرب وهي أول لجنة لإقرار الحقيقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. غير أن حصيلتها لم تكن في المستوى المطلوب، فما زالت أسر المختفين يشعرون بخيبة الأمل لأن مصائر أبنائهم لا زالت مجهولة. كما أن الهيأة وبحكم نظامها الأساسي، منعت من تحديد المسؤولية الفردية عن الانتهاكات، ولم تقدم في تقريرها النهائي اقتراحات لمحاسبة الأشخاص الذين يشتبه بارتكابهم للانتهاكات.
وظل الإفلات من العقاب على الجرائم التي وقعت في الماضي من بين بواعث القلق الشديدة خاصة، وأن بعض من زعموا أنهم ارتكبو هذه الجرائم ما زالوا ضمن أفراد قوات الأمن، بل ومنهم من يشغلون مناصب عليا فيها. وتنتظر منظمة العفو الدولية دائما أن يقدم العاهل المغربي باعتبار رمزيته ومكانته الدستورية اعتذارا باسم الدولة للشعب المغربي عما حدث من انتهاكات جسيمة في سنوات الرصاص.      

إقصاء مغاربة الخارج من المشاركة في الانتخابات يلقي بظلال الشك على عملية التغيير الديمقراطي

5- كيف تابعتم إصرار الحكومة المغربية حرمان مغاربة العالم من الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية مع العلم أن الدستور الجديد ينص صراحة على حقهم في ذلك؟

هجرة المواطن إلى بلد أجنبي واغترابه لا يسقط عنه ما يملكه من حقوق دستورية في المشاركة في رسم مستقبل بلاده وفي تحمل مسؤولية إدارة الشأن العام. وأي منع له عن المشاركة في الانتخابات التشريعية والمحلية هو إخلال فادح لحقوقه الأساسية. إن الديمقراطية الحقة هي توفير فرص متكافئة لجمع المواطنين وقواعد عادلة للمشاركة في الحلبة السياسية، من هنا نعتبر أن أي إجراء يخالف هذه المقاربة هو إجراء مخالف للدستور وبالتالي باطل ولا مشروعية له، ويلقي بظلال الشك على عملية التغيير الديمقراطي.

6- راهن الفرع المغربي لمنظمتكم على العمل منذ البداية على الشبكة العنكبوتية سواء من خلال المدونات أو الشبكات الاجتماعية. هل ترون أن الأهداف المسطرة لذلك قد تم بلوغها؟

يمكن أن نقول انه ومنذ سنوات توجهنا بحماس كبير نحو إقامة شبكة اتصال داخلية وخارجية تقوم على الانترنيت لتبادل المعلومات والأفكار وتنظيم الحملات النضالية والتعبئة العامة من أجل حقوق الإنسان والتصدي لانتهاكاتها والتضامن مع ضحاياها.  وهذا يعني أننا اخترنا في وقت مبكر مقاربة مختلفة لبناء وتنظيم تحركاتنا النضالية، وكان شعارنا (لنحدث ضجيجا عاليا على الانترنيت) حتى يسمعنا من به صمم. وقام الشباب بدور رائد في هذا المجال، نجحوا في التسخير النضالي للشبكات الاجتماعية وتمكنوا في فتح  فضاء واسع للتعبئة والنضال من أجل حقوق الإنسان والتضامن مع الضحايا وأبدعوا في ذلك الكثير من المبادرات الخلاقة من توقيع المناشدات الالكترونية أو استخدام الفايسبوك أو اليوتوب أو الهاتف المحمول، ويمكن القول اليوم إن شبابنا كان رائدا في استعمال التقنيات الالكترونية وفتح بذلك مستقبلا رقميا لحقوق الإنسان والذي أصبح واقعا في منطقتنا من خلال ما يسمى بالربيع العربي.

7-  ماهو الجديد في ملف منح الفرع المغربي لمنظمة العفو الدولية صفة النفع العام؟

مع الأسف ما زالت حكوماتنا المتعاقبة والتي لا تتوقف عن التشدق باحترام حقوق الإنسان تنكر على منظمة العفو الدولية – فرع المغرب حق الاستفادة من صفة النفع العام إسوة بالمنظمات الحقوقية الوطنية الأخرى ، ونعتقد أن هذه الممانعة غير المبررة تشكل قيدا غير معلن لحقنا في العمل من أجل حقوق الإنسان في بلادنا وباقي أنحاء المعمور.
وأعتقد أن سؤالكم هذا الوجيه يجب أن يطرح على السلطات المغربية فهي التي تملك وحدها صلاحية الرد في هذه الأمور خاصة وأنها كثيرا ما أعلنت أن تقوية المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان على رأس أولوياتها.
المصدر: معاذ بنجدية ـ أندلس برس  

0 التعليقات:

إرسال تعليق